فخر الدين الرازي
5
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الجزء العاشر [ تتمة سورة النساء ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة النساء ( 4 ) : آية 17 ] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال الأذى عنهما ، وأخبر على الإطلاق أيضا أنه تواب رحيم ، ذكر وقت التوبة وشرطها ، ورغبهم في تعجيلها لئلا يأتيهم الموت وهم مصرون فلا تنفعهم التوبة ، [ في قوله تعالى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ] وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أما حقيقة التوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ البقرة : 54 ] واحتج القاضي على أنه يجب على اللَّه عقلا قبول التوبة بهذه الآية من وجهين : الأول : ان كلمة « على » للوجوب فقوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يدل على أنه يجب على اللَّه عقلا قبولها . الثاني : لو حملنا قوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله : فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فرق لأن هذا أيضا إخبار عن الوقوع ، أما إذا حملنا ذلك على وجوب القبول وهذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين ولا يلزم التكرار . واعلم أن القول بالوجوب على اللَّه باطل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن لازمة الوجوب استحقاق الذم عند الترك ، فهذه اللازمة اما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق اللَّه تعالى ، أو غير ممتنعة في حقه ، والأول باطل ، لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم ، وهذا الذم محال الثبوت في حق اللَّه تعالى ، وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق اللَّه ، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت ، فحينئذ يكون اللَّه تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار / وذلك باطل ، وأما إن كان استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق اللَّه تعالى ، فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فيلزم جواز أن يكون الإله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذم وذلك محال لا يقوله عاقل ، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن القول بالوجوب على اللَّه تعالى باطل . الحجة الثانية : أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة وتركها إما أن يكون على السوية ، أو لا يكون على السوية ، فإن كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركها إلا لمرجح ، ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصانع ، وإن حدث عن العبد عاد التقسيم وإن حدث عن اللَّه فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة اللَّه وتقويته ، فتكون تلك التوبة إنعاما من اللَّه تعالى على عبده ، وإنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرة أخرى ، فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على اللَّه القبول ، وأما إن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك والفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم ، وإذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا وفسادا .